المؤتمر الدولي السابع لمركز المخطوطات بمكتبة الإسكندرية (مايو 2010)

التواصل التراثي
(أصول ومقدمات التراث العربي الإسلامي)
فكرة المؤتمر ومحاوره

 

لاشيء يطفُر فجأةً فى الفراغ. هذه الحقيقةُ التى دلَّتْ عليها تجاربُ الأمم وحقائقُ التاريخ، ترتبطُ بحقائق أخرى بدهيةٍ لكنها مهملة؛ منها أن الظواهر التاريخية الكبرى والصغرى، ترتبط على نحوٍ خفىٍّ أو مُعلن، بالأصول والمقدمات التى تفاعلت فيما بينها، فأنتجت هذه الظاهرة التاريخية أو تلك . ومنها أن الظاهرة قد تبدو للوهلة الأولى شديدةَ الخصوصية، ومتفرِّدةً، مع أنها مشتملةٌ بالضرورة، على بقايا من الأصول والمقدمات التى انطلقت منها. ومنها أن لكل ظاهرة تاريخية كبرى تأثُّراً بما سبقها، وتأثيراً فى اللاحق بها؛ وهو ما نسميه اصطلاحاً : التواصل التراثى .

        والتراث الذى تركته الحضارة العربية الإسلامية، عبر عمل مديدٍ امتدَّ قرابة ألف عام من العطاء الإنسانى المتنوع لمشاهير العرب والمسلمين، فى مجالات العلم واللغة والدين والفن والأدب ، هو ظاهرةٌ تاريخية كبرى، ينطبق عليها ما ذكرناه فى الفقرة السابقة. بيد أننا نحن العرب والمسلمين المعاصرين، شغوفون دوماً بالنظر فى الأثر الذى خلَّفته حضارتنا فى حضارة الإنسانية، وتأكيد التأثير التراثى العربى/ الإسلامى فى زمن النهضة الأوروبية الحديثة. وهو مسلكٌ محمود مندوبٌ إليه، سعياً لتبيان حضورنا فى تاريخ الإنسانية ، ومن ثَمَّ، فى واقعها المعاصر. لكنه لا يمثل على الحقيقة إلا نصف الحقيقة ! إذ إن النظر فى لواحق الأثر التراثى، من دون التمعن فى سوابق ذاك الأثر ؛ هو أمرٌ من شأنه تكوين صورة خيالية، ذهنية لكن غير واقعية، لتراثنا العربى / الإسلامى. وهى الصورة التى تشكلت فعلاً فى الأذهان ببطءٍ راسخٍ، وأعطت يقيناً كاذباً بأن هذه الحضارة وما أعطته من تراث إنسانى، هى لمعةٌ مفاجئةٌ بدأت مع انتشار الإسلام وسيادة العرب للعالم، فتألَّقت حيناً ثم انطوت ، على قاعدة )وتلك الأيامُ نداولها بين الناس( فكأن تراثنا انطلق من دون أصول سابقة ومقدمات. وهذا بالطبع وَهمٌ كبيرٌ ، ولا شأن للآية القرآنية الكريمة به، فى واقع الأمر، فالمداولة بين الناس وانتقال مشعل الحضارة بين الأقوام ، له قوانين وقواعد لابد من إمعان النظر فيها، وفهمها بعمق حتى نصل إلى وعىٍ عميقٍ بالتراث السابق، وبالتالى إلى وعىٍ رشيدٍ باللحظة الحاضرة. مقتدين فى سعينا بالمنهجية الناصعة التى سار عليها علماؤنا الكبار، وعبَّرتْ عنها أقوالهم، ثم أكَّدتها كتاباتهم العلمية التى وصلت إلينا من وراء القرون، ومن ذلك قول ابن النفيس: وأما إظهارُ الحقِّ وإعلاءُ مناره، وخذلانُ الباطل وطَمْسُ آثاره؛ فأمرٌ قد التزمناه فى كُلِّ فَنٍّ .

        من هذه الزاوية ندخل إلى العالم الرحب لمؤتمرنا الدولى القادم الذى يُعنى بالنظر فى الأصول التى انطلق منها التراث العربى/ الإسلامى، والمقدمات التى سبقته فى المجالات المختلفة: العلمية، والفكرية، والأدبية، والفنية. وغايتنا تأسيسُ وعىٍ حقيقى بهذا التراث الذى غلبتْ عليه التوهماتُ، واندثرتْ صحائفُه فى خزانات المخطوطات، وسلك فيه المرتزقةُ المسالك .

        لاخلاف فى أن التراث العربى / الإسلامى ، كان مؤثراً فى الحضارة الأوروبية الحديثة؛ ولكن فى المقابل : ماهى التراثيات التى أثرت فى صياغة التراث العربى/ الإسلامى؟ وكيف امتدت عملية التواصل بين تراث الإنسانية، فشملت العرب والمسلمين حيناً من الدهر ؟ وهل من قبله زمن ، أتى عليهم حينٌ من الدهر ماكانوا شيئاً معلوما؟ أم أن وعينا المنقوص بتراثنا هو الذى أدى بنا إلى إهمال الأصول العربية ، قبل الإسلامية؟ وبأى قَدْرٍ أسهم الحضور العربى، قبل الإسلام، فى صياغة المنظومة الحضارية العربية / الإسلامية ؟ وما الذى أخذه العرب المسلمون من علوم السابقين؟ وكيف أخذوه؟ وهل طوَّروه، أم حفظوه فحسب ؟ وما هو أصلاً مفهوم الحفظ؟ وماذا عن اللغة، العربية، وتفاعلها شفاهةً مع اللغات السريانية والعبرية والفارسية، وكتابةً مع أشكال التدوين السريانية والنبطية؟ وما دلالة المئات من الكلمات الباقية فى قلب اللغة العربية، من السريانية والفارسية والعبرية، سواء فى أوابد النصوص العربية والنقوش والخربشات المطمورة، أو بين آيات القرآن الكريم الذى هو الكتاب المحورى فى حضارة العرب والمسلمين؟ وماذا عن المسيحيين واليهود والصابئة والمجوس، أعاشوا فى إطار الدولة العربية / الإسلامية كأهل ذمة أو غير ذوى ذمة، بحسب المفهوم الفقهى، أم تعدى الأمر ذلك إلى مشاركة فعلية فى الظاهرة الحضارية العربية الإسلامية، ابتداءً من استلهام حفر الخندق من العسكرية الفارسية، وانتهاءً بترجمات يهود الأندلس للمتون التراثية العربية إلى لغتهم واللغة اللاتينية، ومروراً باستلهامات عربية إسلامية، لاحصر لها، من التراث المسيحى المتجلِّى فكراً فى علم الكلام ، وفناً فى شكل القبة، واقتصاداً فى اعتبار مصر خزانة الدولة، ومعرفةً فى ترجمة النساطرة لمتون العلم القديم من اليونانية والسريانية إلى العربية ..

        هذه بلا شكٍّ أسئلة كثيرة، قد لا تؤرِّق مَنْ يهنأ بالأوهام التراثية، لكنها لابد أن تشغل الرامى إلى تأسيس وعىٍ حقيقى بالتراث العربى/ الإسلامى، المخطوط منه والمطبوع، وهو تراثٌ مليء بلمعات تضيء الطريق إلى غاية المؤتمر . لمعاتٌ من نوع إشارة ابن حزم إلى حضور السريانية فى العربية ، وتسجيل حنين بن إسحاق لما تُرجم من كتب جالينوس (وما لم يُترجم منها، حسب علمه) وتأكيد بنى موسى بن شاكر أن مقدمات العلم اليونانى والعربى من بعد، إنما جاءت من الهند (مخطوطة: الدرجات المعلومة) وتسمية أبى موسى المردار براهب المعتزلة .. ومن وراء ذلك كثيرٌ من اللمعات والإشارات والتنبيهات التراثية، الدالة على التواصل التراثى بين أصول ومقدمات التراث العربى / الإسلامى، والعطاء الحضارى المتنوع لهذا التراث .

        ومن هنا، يسعى مؤتمرنا القادم إلى النظر فى هذه الأصول الأسبق، وتلك المقدمات الممهِّدة للحضارة العربية / الإسلامية؛ بغية استكشاف طبيعة (التواصل التراثى) فى المرحلة المبكرة من تراثنا العربى الإسلامى، وسعياً إلى الفهم ودفع الوهم ونُصرة الحقِّ وإعلاء مناره.. ومن هنا ، تأتى محاور المؤتمر على النحو التالى :

أولاً : الفلسفة والطبيعيات

        يبحث هذا المحور فى الفلسفة والعلوم والمعارف السابقةِ ظهورَ الإسلام، وينظر فى حضورها المعلن والمخفى فى المنظومة الفكرية والعلمية عند العرب والمسلمين بعيداً عن تكرار المشهور من أمور مثل: دور بيت الحكمة ببغداد فى الترجمة والنقل، جهود حنين بن إسحاق فى ترجمة الطب اليونانى، سخاء الخليفة المأمون فى الإنفاق على الترجمة .. وغير ذلك من المعروف والمتداول والمشهور من الأقوال، وسعياً إلى تتبُّعٍ فعلىٍّ لانتقال الأفكار والمنهجيات والرؤى المعرفية من الهند وفارس، ومن موروث الهلال الخصيب، ومن اليونانية بالطبع. لتأسيس فهم أعمق لطبيعة العطاء اللاحق (العربى/ الإسلامى) الذى استند إليها وأكمل مسارها .

ثانياً : المعارف العامة والتاريخ

        يبحث هذا المحور فى طبيعة الوعى (العربى/ الإسلامى) المبكر بالحضارات السابقة، والتفاوت البيِّن فى معرفة العرب باليونان والفرس، وفى جهلهم التام بتراث مصر القديمة والهند (باستثناء ما عرفناه من أعمال أبى الريحان البيرونى) مع أن هذه الأصول المجهولة على مستوى الوعى العربى/ الإسلامى المبكر، كانت فاعلةً فيه، بطرقٍ كثيرةٍ ، غير مباشرة. كما ينظر المؤتمر عبر هذا المحور فى ابتداء التأريخ الإسلامى، ليرى إن كان قد انطلق بالفعل من مقتضيات رواية الحديث النبوى ، فابتدأ مما كان يسمى (علم الرجال) أم هو تطورٌ لروايات ابن السائب الكلبى فى (الجمهرة) أم تطوير لنهج الهمدانى فى (الإكليل) ونشوان الحميرى فى (ملوك حمير) ومن قبلهما ابن منبه فى (التيجان) أم كان استكمالاً لأعمال ابن عبد الحكم والبلاذرى فى الوقائع وفتوح البلدان؟

ثالثاً : اللغة والتصورات الدينية

        يبحث هذه المحور فى علاقة اللغة العربية باللغات التى جاورتها وشابهتها وشابتها، على مستوى بنية اللغة ودلالة المفردات، وعلى مستوى الكتابة والتدوين العربى المبكر، وتطور الخط الكوفى الرصين من الكتابة السريانية المسماة (الاسطرنجيلية) والكتابة النبطية التى تدل آثارها الباقية، ونقوشها، على عمق الصلة بينها وبين بواكير الكتابة العربية. كما ينظر هذا المحور فى مسألة اللهجات العربية قبل الإسلام وبعده، وسيادة لغة قريش على لغات القبائل العربية، احتفاءً بالقرآن وتقديراً للغة الحكام والأئمة فى زمن البواكير التى كان فيها: الأئمةُ من قريش. بالإضافة إلى حضور الموروث الدينى السابق فى الفكر الدينى، اللاحق، عبر النظر المتعمق فى حضور المرويات والتراث الشفاهى وما سوف يسمى (الإسرائيليات) ثم حضور النِّحَل والمذاهب الدينية السابقة، فى الوعى الدينى الإسلامى الوليد، خلال تشكلاته الأولى ومشكلاته المبكرة .

رابعاً : الفنون والآداب

        ينظر هذا المحور فى امتداد الأدب العربى فيما هو قبل الإسلام (الجاهلية) وفيما هو بعده من المدارس والاتجاهات الأدبية. لنرى هل اكتفى العرب / المسلمون الأوائل بآدابهم، أم دعت الحاجة فى وقت مخصوص، إلى استدعاء آداب التراث السابق: كليلة ودمنة، خسرو وشيرين، ألف ليلة وليلة .. وفى الفنون أيضاً، أخذ الأوائل أشياء عن السابقين، وأضافوا إليها أشياء. أخذوا القبة من العمارة البيزنطية، فهل أخذوا المئذنة أيضاً؟ وما دلالة المئذنة فى العمارة الإسلامية المبكرة ، أهى تلبية لمقتضيات رفع الآذان فحسب، أم هى إشارة لجوهر الدين الإسلامى: التوحيد ؟ وهل حُرِّمت الفنون حقاً لأسباب دينية، فأهمل العرب المسلمون التراث الفنى الذى سبقهم، وإن كان ذلك حقا؛ فما بال هذه الفنون العربية الإسلامية المبكرة ، ومن أين أتت فتطوَّرت على أيديهم ؟

*               *               *

        وبقولٍ جامعٍ، فإن مؤتمرنا القادم يبحث فى التواصل التراثى، من خلال إمعان النظر البحثى فى انبثاق البدايات، وفى امتداد الأصول والمقدمات التى تفاعل معها العطاء العربى الإسلامى، فكانت نتيجة ذلك، ما نسميه اليوم: التراث العربى الإسلامى. وهو التراث الذى أعطى الإنسانية، علامات كبرى على طريق التحضر .

*               *               *

يقام المؤتمر هذا العام فى إطار أنشطة مشروع مانوميدلمخطوطات المتوسطية) وهو مشروع يُعنَى بالتراث المكتوب والشفهي في أوربا وحوض البحر المتوسط، ويموِّله الاتحاد الأوربي في إطار برنامج التراث الأوروبي المتوسطي.