تلخيص أخلاق نيقوماخيا لابن رشد بين الخفاء والظهور

أ.د. أحمد شحلان

تُرجم كتاب أخلاق نيقوماخيا ترجمةً قديمة؛ نشرها الدكتور عبد الرحمن بدوي اعتماداً على مخطوط يتيم فريد، به كثير من الخروم والنقص والمغطى، وقد عانى في تحقيقه كثيراً لهذه الأسباب، وملأ فراغاته بالعود إلى النص اليوناني الذي يفارق الترجمة العربية لأسباب معرفية وتاريخية قد تحدُّ من قيمة الاعتماد عليه. وقد لخص ابن رشد أخلاق نيقوماخيا هذا، ضمن انشغاله بالموسوعة الأرسطية، وكان قد وضعه ضمن التجربة اليونانية التي اهتمت بالسياسة وتدبير الدول والجماعات، كما رام منه أن يكون مركباً بواسطته ينظر في السياسة الإسلامية وسلوك أفراد الأمة، ومقايستها على حال مَنْ بادوا من الأمم الأخرى. كان الاهتمام بهذا العمل غير مريح لأصحاب الحل والعقد، أو هكذا يفهم من مآل هذا الكتاب ومآل صنوه "مختصر سياسة أفلاطون" الذي وسمه بـ"الضروري في السياسة". فقد فُقِدَ الاثنان وصارا من مطويات الزمان، على الرغم من أهميتهما. وعلى الرغم من الجهود التي بذلها فيلسوف قرطبة وشارح أرسطو ليجلي أمرهما للمهتمين في ذلك العهد، ولعل من بينهم أناساً كانوا يظنون أنهم أولى بالحكم والتدبير، ولعله لهذا، أي اهتمام من كان مظنة لمعارضة الحكم، صار الكتابان معاً من المطويات النفيسة التي غفت عنها عيون الزمان في ذلك الوقت، فلم يُستفد منهما كثيراً، وغفت عنهما عيون الرقيب ؛ لأنهما لبسا لبوس اللغة العبرية، ولعلهما لبسا لبوس الحرف العبري قبل أن يترجما إلى اللغة العبرية، لأن ترجمة النص حدثت في الثلث الأول من القرن الرابع عشر، وهو زمان متأخر عن فورة الحدث عندما كان أمراً يُربك حال القائمين بالأمر.
إذن لم يعرف حتى اليوم، أي نص عربي لتلخيص أخلاق نيقوماخيا، اللهم إلا نتفاً قليلة استفاد منها المرحوم بدوي في تحقيقه لنص أرسطو القديم، في حين وصلت عديد من مخطوطات الترجمة العبرية التي صنعها شموئل المرسلي مترجمُ مختصر سياسة أفلاطون، واهتم بهذا النص في لغته العبرية أحدُ الأمريكيين، وهو المأسوف عليه، لورانس بيرمان، فحقَّق نص الترجمة العبرية ، وترجمه إلى اللغة الإنجليزية. في حين ظلت اللغة العربية صاحبة النص، عارية منه على الرغم من أهميته في تاريخ العلم وأهميته في موضوعه، باعتباره من النصوص المؤسسة في علم السياسة التطبيقي. لذلك ترجمناه إلى اللغة العربية ترجمة لا تنحصر أهميتها في العود بنصٍّ مطوي في لغة أخرى إلى أصله، ولكن أهميتها تتضح، وبنفع كبير، في تصحيح الترجمة القديمة لنص أرسطو، والتي أخرجها المرحوم بدوي اعتماداً على مخطوطة فريدة، لأن ابن رشد استعمل نص الترجمة القديمة نفسه. وبهذا تعتبر مخطوطات نص الترجمة العبرية نسخاً ذات نفع كبير ، وتقوِّم نص تحقيق عبد الرحمن بدوي الذي يستوجب تحقيقاً جديداً، بناءً على عمل ابن رشد، وبناء على ما لمسناه في هذه النشرة من إرباك يقلل من قيمتها العلمية. وهذا موضوع نظر قد نفصل فيه القول في عرضنا أثناء مؤتمركم الموقر.