علم التَّعمية .. والمخطوطات المطوية
مقاصد الفصول المترجِمة عن حلِّ الترجَمة نموذجاً

د. حسان الطيان

هذا فن، بل علم، نبغ فيه العرب المسلمون ما شاء الله لهم أن ينبغوا، فَدَاْنَ لهم ولادةً ونشأةً وتطوراً، وقد برز فيه أعلام كبار،استطار ذكرهم، وألفت في طرائقه ومناهجه رسائل ومصنفات ذات شأن.
ثم أتى عليه حين من الدهر لم يعد شيئا مذكورا ؛ إذ طويت مخطوطاته، وخمل ذكر أعلامه،ونسي أمره، وكاد الناس يطوون ذكره. فكان بحق من العلوم الخفية التي اكتنفها الغموض والتشكيك، حتى عُمِّيت على الناس وطويت عنهم بكاملها. وكان لها من اسمها أكبر نصيب.
بل إن كبار المشتغلين في تتبع حركة التأليف عند العرب وتأريخها، كالبغدادي في خزانته، وأحمد بن مصطفى في مفتاحه، وحاجي خليفة في كشفه، عزوا هذا العلم إلى الفرس، وجعلوا العرب تابعين لهم في التصنيف به، ظانين أنه مقصور على ذلك الفن البديعي المنبثق من الأحاجي والألغاز، عادّين أول مؤلف عربي وُضِع فيه: رسالة "كنـز الأسما في كشف المعمّى" وأول عَلَم من أعلامهم مؤلفها: القطب المكي (المتوفى سنة 988هـ) مغفلين تاريخاً متطاولا من عمل العرب في هذا العلم الجليل، يمتد إلى القرن الثالث الهجري التاسع الميلادي، إذ صنع فيلسوف العرب الكندي (260هـ=873م) أول رسالة فيه، وسماها: "رسالة في استخراج المعمى" بأمر من الخليفة العباسي أبي العباس المعتصم.
إنه علم التعمية واستخراج المعمى (الشفرة وكسر الشفرة). والتعمية (أو الشِّفرة) تحويل نصٍّ واضح إلى آخر غير مفهوم باستعمال طريقة محدّدة يستطيع من يعرفها أن يفهم النص.
واستخراج التعمية (أو كسر الشِّفرة) تحويل النص المعمّى إلى نصٍّ واضحٍ لمن لا يعرف مسبقاً طريقة التعمية المستعملة.
يتناول هذا البحث نموذجا من نماذج المخطوطات المطوية في علم التعمية (Encipherment) وهو مقاصد الفصول المترجمة عن حلّ الترجمة لإبراهيم بن محمد المعروف بابن دنينير اللخمي الموصلي (ت 627هـ). والمخطوط مقسوم إلى قسمين: الأول لحل ما عمي في الكلام المنثور، وفيه عرض لطرائق التعمية المختلفة ومناهج استخراجها ، وما يتطلبه ذلك من معارف لغوية. كما أن فيه عرضاً لاستعمال بعض الأدوات في التعمية كالشطرنج والخرز الملون وتثقيب الخشب.. إلخ. ولعل من أهم ما تطرق إليه ابن دنينير في هذا القسم التعميةَ المركبة (Super- encipherenemt) والثاني لحلّ المعمى في الكلام المنظوم، وفيه عرض لمتطلبات استخراج المعمى من الشعر من علم بالعروض والقافية، وتبصّر بالكتابة وتتبّع دقيق لتواتر الحروف العربية وائتلافها واختلافها في الكلام العربي.
إن ما وقفنا عليه في هذا المخطوط من مفاهيم التعمية وطرائقها ومناهج استخراجها يؤلف حلقة مهمة في تأريخنا لهذا العلم، ويضيف قرائن جديدة إلى ما توصلنا إليه من أصالة العرب فيه.