|
ظاهرة عامة فى التراث الإسلامى، اختفاء
النصوص الجذرية والمختلفة نوعياً عن التراث الشائع. فقد سادت الأشعرية فى
العقائد، والشافعية فى الفقه. وأصبحت الأشعرية عقيدة الدولة السنية أى الأموية
، وتدخلت فى شئون العلم. فالدولة مثل الإسلام، عقيدة وشريعة. تقوم شرعيتها على
الدين، والدين مصدر العلم، والعلماء موظفون لديها، ومنهم من كان زينة البلاط.
قام مؤرخو السلطان بالتدوين الموجه لصالح النظام ، وأبقى عساكره على المدونات
من وجهة نظر الدولة ، وأقصوا مدونات أخرى معارضة. وأصبح من الصعب التعرف على
المطوى إلا من خلال رواية المنشور انتقاءً وتأويلا وحكماً. تبدأ رواية المنشور
بفعل "قال"، ورواية المطوى غير المباشرة بأفعال "زعم"، "ادعى"...الخ. وكانت
المعارضة نوعين: الأولى معارضة سرية تحت الأرض، الشيعة. وقد أبقت مخطوطاتها
مطوية معها حتى استولت على الحكم فأصبحت ذائعة. والثانية معارضة علنية تنقسم
بدورها قسمين. الأول بالسلاح، الإباضية أى الخوارج، وبقيت مدوناتها مطوية حتى
تحققت دولتهم، فذاعت وانتشرت. والثانى بالفكر، الرأى بالرأى، والحجة بالحجة،
والبرهان بالبرهان، المعتزلة. وقد ذاعت مدوناتهم عندما انتصرت لهم الدولة
السنية ، ثم طويت ساعة المحنة. جدل المطوى والمنشور إذن هو جدل الإبقاء
والإقصاء، الإبقاء على تراث السلطة وإقصاء تراث المعارضة، الإبقاء على أرشيف
الدولة وإقصاء الكتابات السرية لخصومها.
وهذا هو السبب فى أن التواصل فى التراث أكبر من الانقطاع منذ سيادة الأشعرية
والشافعية فى القرن الرابع الهجرى فى الدولة السنية حتى إعادة توظيفها فى
الدولة الوطنية، الملكية أو الجمهورية الحالية كشرعية مستمرة للدولة، وإقصاء
قوى المعارضة من العمل السياسى وفكرها عن العمل الإعلامى. ساد حديث الفرقة
الناجية ، وهى فرقة الدولة أو الحزب الحاكم ضد الفرق الضالة، أحزاب المعارضة.
ولم تخرج الحركات الإصلاحية عن الأشعرية ؛ لذلك ظلت نسبية ضعيفة. انقلبت بعد
حركات التحرر الوطنى إلى سلفية رافضة للمجتمع وليست مطورة له. لم تساهم فى
عمليات التغير والتقدم إلا على نحو دعائى إعلامى فى الخمسينيات والستينيات فى
أثناء بناء الدولة القومية الاشتراكية. واستمر تكفير الخصوم السياسيين باسم
العقيدة ، فنشأت حركات التكفير والإقصاء العلمى والسياسى. وضعفت المعارضة
السياسية ؛ لأنها تعارض من خلال التراث السائد الذى يعتمد عليه النظام الحاكم
أيضا دون أن تهز تراث السلطة وتحوله إلى تراث المعارضة.
إن البحث عن المخطوطات المطوية هو أحد وسائل قيام نهضة عربية ثانية بعد النهضة
العربية الأولى التى ظلت أشعريةً فى التوحيد، وإن حاولت الاقتراب من المعتزلة
فى العدل مثل "الماتريدية". والهدف هو تحويل المركزى إلى هامشى، والهامشى إلى
مركزى ، أى رد الاعتبار لتراث المعارضة بجوار تراث السلطة، وإبقاء الاثنين دون
إقصاء أو إقصاء مضاد لأحدهما أو للآخر حتى يتم الحوار من جديد بين التيارات
والمدارس الفكرية المختلفة ؛ فتحيا التعددية بدلا من أحادية الطرف، وتتأسس
الجبهة الوطنية أو الائتلاف الوطنى طبقا لمبدأ فقهى قديم، الاختلاف على مستوى
النظر، والاتفاق على مستوى العمل. ويُرد الاعتبار إلى مقالات الفرق الضالة.
فالتمييز بين الفرقة الناجية والفرق الضالة يخضع لصراع القوى ، ما كان ناجياً
فى الماضى قد يكون ضالا فى الحاضر، وما كان ضالا فى الماضى قد يكون ناجياً فى
الحاضر. وربما يمكن التحول من النسق الأشعرى ، نظرية الذات والصفات والأفعال
التى يصعب فيها التمييز بين صفات الله وصفات السلطان إلى النسق الاعتزالى،
نظرية الأصول الخمسة التى تجعل العدل جوهر التوحيد، والعقل أساس النقل
والاستحقاق أساس الجزاء، والتوسط أساساً للجبهة الوطنية، والأمر بالمعروف
والنهى عن المنكر فى علاقة الحاكم بالمحكوم.
وقد تأتى النهضة الثانية بالجمع بين النشر للمخطوطات المطوية والترجمة لتراث
النهضة العربية من أجل الإبداع الفكرى ، كما حاولت من قبل "اللجنة المصرية
للتأليف والترجمة والنشر". الترجمة وحدها قد توقع فى الاغتراب وقسمة الثقافة
الوطنية واستقطابها بين الموروث والوافد. والنشر وحده قد يقوى القديم على
الجديد وعزله عن التراث البشرى المعاصر. والإبداع وحده لا يتم إلا بعد التفاعل
الخلاق بين الموروث والوافد فى لحظة تاريخية معينة، وفى زمان ومكان محددين.
ويتضمن البحث ثمانية موضوعات:
1. التوحيد بين السكون والحركة، بين الثبات والتغير، بين الأشعرية من ناحية
والكرامية والصوفية من ناحية أخرى.
2. الطبيعة وقوانينها بين خرقها ولاحتميتها لتبرير المعجزات واستقلالها
واطِّرادها من أجل تسخيرها، بين الأشعرية والصوفية من ناحية ، وأصحاب الطبائع
من المعتزلة وابن رشد من الفلاسفة من ناحية أخرى.
3. العقل والنقل بين الأشعرية والحشوية التى تجعل النقل أساس العقل ، والمعتزلة
وابن رشد الذى يجعل النقل أساس العقل وضرورة التأويل.
4. الإنسان بين التبعية والاستقلال، بين الكسب وخلق الأفعال، بين الأشعرية
والصوفية من ناحية ، والمعتزلة من ناحية أخرى.
5. الإيمان بين الكفاية والتحقق، بين الإرجاء من ناحية والرفض (الرافضة) من
ناحية أخرى، وأهمية التوسط من أجل الحوار الوطنى وتأسيس الجبهة الوطنية.
6. المعاد بين الشيئية والتأويل، بين الحسية والتصوير، بين الحشوية والأشعرية
من ناحية، والمعتزلة والفلاسفة من ناحية أخرى .
7. الإمامة بين حكم الفرد وحكم الجماعة، بين السلطة والمؤسسات، بين النخبة
القبلية أو العسكرية من ناحية ، واختيار الحر من الناس من ناحية أخرى.
8. التاريخ بين الانهيار المستمر وضرورة العودة إلى السلف الصالح والتقدم
المستمر وضرورة الثورة المهدية بين الأشعرية والتشيع. |