|
اهتم علماء الأمة المتقدمون بحديث رسول
الله
r اهتمامًا بالغًا، فحفظوا متنه، واعتنوا بشرحه
عناية عظيمة، وعلى الرغم من ضياع مخطوطات عدد من المؤلفات الحديثية التي كتبت
في زمن متقدم، من متون وشروح ، فإن مضمونها نُقل لنا من خلال مخطوطات وصلتنا
لمؤلفات حديثية أخرى .
إن المنهج العلمي الدقيق الذي اعتمد عليه رواة الحديث في نقل الروايات وتوثيقها
بالسند ، كان له الفضل في حفظ كثير من مؤلفات الحديث التي فقدت مخطوطاتها ضمن
مؤلفات حديثية أخرى وصلتنا مخطوطاتها، ومن ذلك المسانيد التي هي كتب حديثية
جمعت أحاديث كل صحابي على حدة. وهي أول أنواع المؤلفات الحديثية التي أفردت
أحاديث النبي
r خاصة، وقد ظهرت في النصف الثاني من القرن
الثاني للهجرة، وذلك بعد ظهور كتب المصنفات التي جمعت الحديث ممزوجاً بأقوال
الصحابة وفتاوى التابعين. وقد فقدنا كثيرا من هذه المسانيد، لكونها مؤلفات وضعت
في مرحلة متقدمة من التدوين، لكن لحسن الحظ ، فإن كثيرا من المؤلفات الحديثية
نَقلت لنا جزءا كبيراً من أحاديث المسانيد المفقودة بأسانيدها، وذلك بفضل
المنهج العلمي المذكور .
سوف يستعرض البحث نماذج من هذه المسانيد المطوية في مؤلفات الحديث، ويقف عند
نموذج فريد، وهو المسانيد المطوية في كتب الزوائد .
والزوائد كتب جمعت ما زاد من الأحاديث في بعض الكتب الحديثية على أحاديث كتب
أخرى، دون ذكر الأحاديث المشتركة. فقد تجمع الزوائد ما زاد في كتاب على كتب،
كموارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان (ت807هـ) الذي جمع زوائد ابن حبان على
الصحيحين. وقد تجمع الزوائد ما زاد في كتب على كتب، كمجمع الزوائد لابن حجر
الهيثمي (ت 807هـ) الذي جمع زوائد ستة مسانيد على الكتب الستة. إن كتب الزوائد
التي اعتنت بجمع الأحاديث الزائدة في كتاب على مجموعة كتب، قد وصلنا غالبا
النسخ المخطوطة منها، ومن الكتب المزاد عليها. غير أن التأليف في النوع الثاني،
وهو: الأحاديث الزائدة في مجموعة من الكتب على مجموعة أخرى أتحفنا بكتابين
مهمين تضمنا قسماً كبيرا من ثلاثة مسانيد مفقودة في غاية الأهمية، لاسيما أن
القسم المنقول من هذه المسانيد المفقودة يمثل الزيادة على الكتب الستة (البخاري
ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه).
- فما هما كتابا الزوائد؟
- وما هي المسانيد الثلاثة؟
كتاب الزوائد الأول هو المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية لابن حجر
العسقلاني (ت 852هـ). جمع فيه المؤلف زوائد ثمانية مسانيد على الكتب الستة
ومسند الإمام أحمد، وهي :
(1) مسند أبي داود الطيالسي ، (2) مسند الحميدي، (3) مسند ابن أبي عمر العدني،
(4) مسند مسدد بن مسرهد ، (5) مسند أحمد بن منيع، (6) مسند أبي بكر بن أبي
شيبة، (7) مسند عبد بن حميد، (8) مسند الحارث بن أبي أسامة. وأعاد ترتيب
أحاديثها على أبواب الفقه ، خلافًا لترتيبها في المسانيد.
وكتاب الزوائد الثاني هو إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة، للحافظ
أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل البوصيري (ت 840هـ) الذي تتلمذ على ابن حجر، واشترك
معه في الأخذ عن الحافظ العراقي. جمع فيه المؤلف زوائد عشرة مسانيد على الكتب
الستة، وهي:
(1) مسند الطيالسي (2) مسند مسدّد بن مسرهد (3) مسند الحميدي (4) مسند إسحاق بن
راهويه (5) مسند ابن أبي شيبة (6) مسند ابن أبي عمر العدني (7) مسند عبد بن
حميد (8) مسند الحارث بن أبي أسامة (9) مسند أحمد بن منيع (10)- مسند أبي يعلى
الكبير. ورتب أحاديثها على أبواب الفقه أيضا.
إن ثلاثة من المسانيد السابقة (في الكتابين)، وهي:
مسند مسدد بن مسرهد (ت 228هـ) الذي قيل فيه إنه أول من صنف مسندا، ومسند ابن
أبي عمر العدني (ت 243هـ)، ومسند ابن منيع (ت 244هـ)، لم تصل إلينا نسخها
المخطوطة. ويعد كتابا الزوائد المذكورَين مصدرين أساسيين لهذه المسانيد
الثلاثة؛ إذ احتويا على مجموعة كبيرة من الأحاديث المسندة المأخوذة من هذه
المسانيد، والزائدة على الكتب الستة.
سوف يتناول البحث بالدراسة:
• نصوص هذه المسانيد الثلاثة (ابن أبي عمر ومسدد وابن منيع) المفقودةِ الواردةِ
في كتابي الزوائد المذكورَين: المطالب العالية وإتحاف الخيرة المهرة.
• تعليقات ابن حجر والبوصيري على هذه النصوص.
• إمكانية اعتبار نصوص هذه المسانيد الواردة في الكتابين نسختين مختلفتين.
• مدى الفائدة من مقارنة روايات الأحاديث في كتابي الزوائد اللذين احتويا
نصوصاً من هذه المسانيد.
• الخطوات المنهجية التي توصلنا إلى نصوص هذه المسانيد في مؤلفات السنة الأخرى
(غير الزوائد).
• تطبيق هذه الخطوات من أجل الحصول على تلك النصوص من المسانيد الثلاثة.
• مقارنة ما حصلنا عليه من نصوص جديدة للمسانيد الثلاثة من كتب السنة الأخرى
بالنصوص الموجودة في كتابي الزوائد.
وكذلك فإن شروح الحديث التي فقدنا عددا كبيرًا منها ، وصل إلينا نقول كثيرةٌ
عنها طويت في شروح تأخرت عنها. ولعله لم يحظ كتاب من كتب متون الحديث بالعناية
والتأليف حوله كما حظي كتاب الجامع الصحيح للإمام البخاري. فقد أُلفت حوله
المستخرجات والمستدركات والزوائد والشروح والحواشي والتعليقات والمعاجم
والمختصرات، إضافة إلى عشرات الدراسات الحديثة الفقهية والأصولية والحديثية
واللغوية. وكانت الشروح أكثر هذه الأنواع عددا وأهمية.
ويعد فتح الباري، وهو الشرح المشهور للجامع الصحيح لابن حجر العسقلاني (ت
852هـ)، مَجمعًا لخلاصات ما ألف حول البخاري من جميع ما تقدم ذكره، بما في ذلك
كتب الشروح التي سبقته، كشرح ابن بطال، وابن التين، والكرماني والخطابي،
والصاغاني والقطب الحلبي وغيرهم.
وإن كثيرا من الكتب والشروح التي أشير إليها في فتح الباري فُقدت مخطوطاتها،
ولم يبق من نصوصها سوى ما تناقلته الكتب الأخرى كالفتح وغيره.
وربما كان من أهم شروح البخاري التي فقدت مخطوطاتها، والتي نجد كثيرا من نصوصها
المقتبسة في فتح الباري كتاب: (المخبر الفصيح في شرح البخاري الصحيح) للفقيه
المحدث المفسر عبد الواحد أبي محمد الصفاقسي المغربي المالكي، المعروف بابن
التين (ت 611هـ)، الذي كان له اعتناء زائد في الفقه، ممزوج بكثير من كلام
المدونة وشراحها، اعتمده الحافظ ابن حجر في شرح البخاري ، وكذلك ابن رشد
وغيرهما.
نقل ابن حجر في فتح الباري عن ابن التين في كتابه (المخبر الفصيح) في مواضع
تزيد عن تسعمئة موضع ، مستشهداً أحيانا وناقدا أحيانا ومستدركا أحيانا ومتعقبا
أخرى.
سوف تُدرس في البحث النصوص المقتبسة من (المخبر الفصيح)، وتعليقات الحافظ ابن
حجر عليها من أجل تكوين فكرة متكاملة عن منهج الشرح، والخروج بنظرة تقويمية
لهذا الشرح من الناحيتين الحديثية والفقهية. وكذلك فسوف تقترح خطوات منهجية
للبحث عن نصوص أخرى لهذا الشرح في مظانِّها من كتب العلماء المتأخرين عن ابن
التين، وسوف تطبق هذه الخطوات لمعرفة أكبر قدر ممكن من نصوص شرح ابن التين، سوى
ما نقله ابن حجر في الفتح. |